محمد الغزالي

27

فقه السيرة ( الغزالي )

فقال عبد اللّه : أيها المرء ، إنه لا أحسن مما تقول ، إن كان حقّا فلا تؤذنا به في مجالسنا ، وارجع إلى رحلك ، فمن جاءك فاقصص عليه . فقال ابن رواحة : بلى يا رسول اللّه ! فاغشنا به في مجالسنا ، فإنا نحبّ ذلك ، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون ، فلم يزل الرسول عليه الصلاة والسلام يخفّضهم حتى سكتوا ، ثم ركب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دابّته وسار حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألم تسمع ما قال أبو حباب - يعني ابن أبيّ - ؟ » قال سعد : وما قال ؟ قال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام : « قال كذا وكذا » . . . فقال سعد : اعف عنه واصفح يا رسول اللّه ، فوالذي أنزل عليك الكتاب ! لقد جاءك اللّه بالحق الذي أنزل عليك ، ولقد اجتمع أهل هذه البحرة - يعني المدينة - على أن يتوّجوه ، ويعصّبوه بالعصابة ، فلما أبى اللّه ذلك بالحق الذي أعطاك ، شرق بذلك ، فذلك الذي فعل به ما رأيت « 1 » . إن ابن أبيّ غصّ بالإسلام ؛ لأنه راه خطرا على زعامته ، وكذلك فعل أبو جهل من قبل ، ولئن كان هؤلاء قد ازورّوا عن الحق بعد ما تبينوه ، إنّ هناك ألوفا غيرهم لا يدركون قيلا ولا يهتدون سبيلا ، كرهوا الإسلام وحاربوه . ووسط هذه الجهالات البسيطة أو المركبة ، والعداوات المقصودة أو المضللة ، وسط نماذج لا حصر لها من الضلال والغافلة ، أخذ الإسلام رويدا رويدا ينشر أشعته ، فأخرج أمة من الظلام إلى النور ؛ بل جعلها مصباحا وهّاجا يضيء ويهدي ، والدروس التي أحدثت هذا التحول الخطير والتي رفعت شعوبا وقبائل من السفوح إلى القمم ليست دواء موقوتا أو مخصوصا ، بل هي علاج أصيل لطبيعة الإنسان إذا التاثت ، وستظل ما بقي الإنسان وبقيت الحياة تكرم الإنسان وتجدد الحياة .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 8 / 185 - 186 ، بشرح فتح الباري ؛ ومسلم : 5 / 182 183 ؛ وأحمد : 5 / 203 ، من حديث أسامة بن زيد .